ابن فضلان

69

رحلة ابن فضلان

وقرأت عليه الكتاب ، فقال للترجمان : لست أقول لكم شيئا حتى ترجعوا وأكتب إلى السلطان بما أنا عازم عليه ، ونزع الديباجة « 177 » التي كانت عليه ليلبس الخلع التي ذكرنا ، فرأيت القرطق « 178 » الذي تحتها وقد تقطع وسخا ، لأن رسومهم أن لا ينزع الواحد منهم الثوب الذي يلي جسده حتى ينتثر قطعا ، وإذا هو قد نتف لحيته كلّها وسباله فبقي كالخادم ، ورأيت الترك يذكرون أنه أفرسهم « 179 » . ولقد رأيته يوما وهو يسايرنا على فرسه إذ مرّت وزّة « 180 » طائرة فأوتر قوسه ، وحرّك دابّته تحتها ثم رماها فإذا هو قد أنزلها . فلمّا كان في بعض الأيام وجه خلف القوّاد الذين يلونه وهم : طرخان وينال وابن أخيهما وإيلغز ، وكان طرخان أنبلهم وأجلّهم وكان أعرج أعمى أشلّ « 181 » فقال لهم : إن هؤلاء رسل ملك العرب إلى صهري ألمش بن شلكي « 182 » ولم يخيّر « 183 » لي أن أطلقهم إلا عن مشورتكم ، فقال طرخان : هذا شيء ما رأيناه قطّ ولا سمعنا به ولا اجتاز بنا رسول سلطان مذ كنّا نحن وآباؤنا « 184 » وما أظن إلا أنّ السّلطان قد أعمل الحيلة ووجّه هؤلاء إلى الخزر « 185 » ليستجيش بهم علينا ، والوجه أن يقطع هؤلاء

--> ( 177 ) الديباجة ههنا يقصد بها الثوب الحسن الذي كان يرتديه . ( 178 ) القرطق كلمة سبق شرحها . ( 179 ) أفرسهم : أكثرهم فراسة . ( 180 ) الوزّة : واحدة الوز أو الإوز : نوع من الطيور يشبه البطّ ولكنّه أكبر منه جسما وأطول عنقا . ( 181 ) أشلّ : مصاب بالشلل ، أو يبس عضوه فبطلت حركته أو ضعفت . ( 182 ) ألمش بن شلكي : هو ألمش بن يلطوار . ( 183 ) يخيّر لي : يبدو لي . ( 184 ) يذكر د . غيبة أن هذه الجملة هي دليل على أن بعثة ابن فضلان كانت الأولى من نوعها . ( 185 ) الخزر : الخزر هم إحدى القبائل التي تنتمي إلى الشّعب المغولي والتي هاجر في القرن السادس الميلادي إلى منطقة القفقاز تاركة موطنها الأصلي في منطقة وسط آسيا الصغرى . في منتصف القرن الثامن الميلادي ولأسباب اعتبرت تكتيكية أكثر منها دينية اعتنق الخزر الديانة اليهودية ليكونوا بمنأى عن الصراع الدائر بين القوّتين العظميين - الإسلامية والبيزانطية - آنذاك ، حيث استطاع الخزر تكوين شبه إمبراطورية تخصّهم في منطقة القفقاز . ما بين القرن العاشر والقرن الثالث عشر الميلادي وبسبب العداء لها انهارت إمبراطورية الخزر مما أدى إلى هجرة اليهود منهم إلى أوروبا وخاصة بولندا .